الشيخ الطبرسي
27
تفسير جوامع الجامع
إيْجَاباً للتَّوصيةِ بالوالِدَةِ خُصُوصَاً وتَذْكِيرَاً بعَظِيمِ حَقِّها مُفْرداً . وقُرِئ : ( مِثْقَالَ حَبَّة ) بالرَّفعِ ( 1 ) والنَصْبِ ، فَمَن نَصَبَ كانَ الضَّميرُ للهنةِ مِن الإِسَاءَةِ أو الاحسانِ ، أي : إنْ كانَتْ مَثَلا في الصِّغْرِ كَحَبَّةِ الخَرْدَلِ وكَانَتْ مَعَ صغْرِهَا في أَخْفى مَوضِع وأَحْرَزِهِ كَجَوفِ الصَّخْرةِ ( أَوْ ) حيثُ كانَتْ ( فِي السَّمواتِ أَوْ فِي الأْرْضِ يَأتِ بِهَا اللهُ ) يومَ القِيامَةِ فَيُحاسِبُ بِهَا عَامِلَها ( إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ ) يَصِلُ عِلْمُهُ إلى كلِّ خَفِيٍّ ( خَبِيرٌ ) عَالِمٌ بكُنْههِ . ومَنْ رَفَعَ ف ( تَكُ ) تَامَّةٌ ، وأَنَّثَ ( مِثْقَالَ ) لإِضَافَتِهِ إلى ( حَبَّة ) كَمَا قِيلَ : كَمَا شَرقَتْ صَدْرُ القَنَاةِ مِنَ الدَّمِ ( 2 ) وهو مِنْ بَابِ ما اكتَسَبَ فيه المُضَافُ من المُضَافِ إليهِ التَأْنيثَ . الصَّادقُ ( عليه السلام ) : " إيَّاكُم والمُحَقَّراتِ من الذُّنُوبِ فَإِنَّ لَها مِنَ اللهِ طَالباً ، لا يَقُولَنَّ أحدُكُم : أُذْنِبُ وأَستَغْفِرُ الله ، إنَّ اللهَ تَعَالى يَقُولُ : ( إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّة ) الآية " ( 3 ) . ( وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ) من الأَذَى في الأَمْرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المُنكَرِ ( إنَّ ذَا لِكَ ) مِمَّا عَزَمَهُ اللهُ من الأُمُورِ ، أَي : قَطَعَهُ قَطْعَ إيْجاب وإِلْزام . ومنهُ الحَديثُ : " إنَّ اللهَ يُحبُّ أَن يُؤخَذَ بِرُخْصَتِهِ كَمَا يُحبُّ أَن يُؤْخَذَ بِعَزَائِمِه " ( 4 ) . وَقِيلَ : مِنَ الأُمورِ التي يَجِبُ الثَبَاتُ عَلَيها ( 5 ) . وأَصلُهُ من مَعْزُومَاتِ الأُمُورِ وَمقْطُوعَاتها ، أو : مِن عَازِمَاتِ الأُمُورِ ، مِن قَولِهِ : فَإذَا عَزَمَ الأَمرُ ، كَقَولِكَ : جَدَّ الأَمرُ
--> ( 1 ) قرأه نافع . راجع التذكرة في القراءات لابن غلبون : ج 2 ص 544 . ( 2 ) والبيت للأعشى ، وصدره : وتَشرَقَ بالقَولِ الذي قد أذعتَهُ انظر ديوان الأعشى : ص 186 تحقيق كامل سليمان . ( 3 ) رواه العياشي في تفسيره عن ابن مسكان كما في كنز الدقائق : ج 8 ص 32 . ( 4 ) أخرجه الهيثمي في المجمع : ج 3 ص 163 . ( 5 ) حكاه الماوردي في تفسيره : ج 4 ص 338 .